الجمعة، 23 مايو 2008

ما الذى يعنيه لك الوقت



كنت أجلس يوما مع أحد الأصدقاء القدامى اللذين درسوا الطب فى انجلترا

كان يقوم بمناظرة حالة .. وكان المريض يعانى من مشكلة جراحية ما

وكاحد القواعد المتبعة فى التشخيص بدأ الطبيب فى أخذ التاريخ المرضى

بدأ بسؤاله عن أول أعراض تلك المشكلة ظهورا .. منذ متى؟؟

فأجاب المريض " من خمس ست سبع تمن سنين"

وهى اجابة مشهورة جدا لمرضانا فى مصر

ابتسم الطبيب من جانب فمه وعاد يسأله عن تاريخ بقية الأعراض المرضية

وعلى نفس النمط كانت اجاباته, بأن يعطيك مدى زمنى واسع عبارة عن شهور أو سنوات

ولم يحدث أن أعطاك تاريخ محدد

بعد الانتهاء من مناظرة المريض بدأ الطبيب يحدثنى عن نموزج لمريض بريطانى

عرض عليه فى امتحانات زمالة كلية الجراحين الملكية ببريطانيا

وكيف أنه وجد به ندبة أثناء الفحص الروتينى فسأله عن سببها

فأخبره المريض أنه فى اليوم الفلانى من الشهر الفلانى للعام 1944

وبينما كان هذا الشخص فى طريقه الى البيت حدث بقرب مروره انجار فأصابته شظية

تركت له تلك الندبة التى بقيت اثارها حتى تلك اللحظة

ورغم زوال المشكلة ولم يبقى منها سوى أثر بسيط الا أن دقة الوصف للوقت أذهلت الطبيب المصرى

كان الفارق رهيبا بين تقدير المريض المصرى والمريض البريطانى للوقت

ليس المريض المصرى بشكل خاص بل الانسان المصرى بشكل عام

فالوقت لا يعنى له الكثير فخمس سنوات كست سنوات كتسع سنوات

لا حساب لديه للسنين ولا قيمة للوقت

انه يرى أمسه كيومه كغده ان لم يتوقع الأسوأ

توقف عن حساب الزمن وصار مذهبه الحياتى .. يومين وبيعدوا

المشكلة لا ترتبط ارتباط مباشر بمستوى مادى أو اجتماعى معين

بل هى جزء من ثقافة الشعب بل والأمة العربية

فأنت قد تطلب من أحدهم موعدا فيقول لك "الليلة"

وحين تلح عليه ليكون أكثر دقة يقول لك " يعنى عشرة عشرة ونص حداشر"

ولا تدعوك نباهتك وفطنتك الى الاعتقاد بأنه يعرض عليك ثلاثة مواعيد لتختار من بينهم

انه يقول لك انه تقريبا سيلتقيك عشرة عشرة ونص حداشر

ثم يأتى اليك فعليا بعد الثانية عشرة .. ودائما هناك عذر

أو أن تجلس فى انتظار أحدهم حتى تمل فتطلبه هاتفيا فيجيبك أنه فى الطريق اليك

وتظل فى انتظاره وكأن الطريق الذى هو فيه اليك يبدأ من أقصى الأرض

وتلك الحكاية التى أوردها الدكتور أحمد زويل فى كتابه "عصر العلم"

وهى أنه قد دعى الى مؤتمر علمى بجامعة الاسكندرية

وكان قد جرى الاتفاق بينه وبين أحد الأساتذة بكلية العلوم أن يأتى لاصطحابه فى التاسعة صباحا

على أن يرافقه الى مكان اخر لالقاء ندوة علمية حيث أن فعالية الندوة ستبدأ فى الحادية عشرة

وفى تمام الساعة الثامنة والنصف كان الدكتور زويل يجلس فى استقبال الفندق منتظرا مرافقه

وظل ينتظره حتى الحادية عشرة حين هل عليه الزميل المصرى وكالعادة هناك أعذار

أما عن الندوة فقد تأجلت لليوم التالى .. لا يهم ان كان هناك من كان فى الانتظار

وتسائل الدكتور زويل" ماذا لو حدث مثل ذلك فى جمعة كلتك التى يعمل بها فى أمريكا"

ولم يجب الدكتور زويل على السؤال لأنه ببساطة احتمال مستحيل الحدوث

وبتدقيق النظر قليلا نكتشف أن عدم احترام الوقت يمثل جزء من ثقافتنا الان

ثقافة العقلية المشوشة حيث الخطوط متداخلة " ان كان هناك ثمة خطوط لا تزال"

حدثنى أحد الأصدقاء ممن أقاموا بالولايات المتحدة لسنوات طويلة

أنه لم يكد يلتقى طوال حياته هناك بأمريكى لا يمضى فى الحياة بلا نظام وخطة مرسومة

خطة واضحة فى ذهنه حتى وان لم تكن مكتوبة

وفى ظل تلك الخطط والاستراتيجية هناك مشاريع حياتية طويلة المدى واخرى قصيرة المدى

ونظرا لأن الوقت هو رأسمالهم اللازم لاتمام تلك المشروعات فالوقت هو أثمن سلعة لديهم

أو كما كان يسمع دوما time is money

فما الذى يعنيه الوقت لشعوب أدمنت الكسل والتراخى والسير فى الحياة بعشوائية

فلا هدف فى الحياة وبالتالى لا خطة ولا استراتيجية

مشكلة كبيرة تحتاج الى جهد كبير لاصلاحها

فاصلاحها يحتاج الى اعادة النظر فى أسلوب حياتنا بشكل كامل

ولا شك أن ذلك سيحمل مشقة كبيرة فى البداية ولكن لا مفر من ذلك ان يكون لحياتنا قيمة

ترى كم واحد منا سيقرر أن يفعل شيئا بعد انتهائه من قرائة هذا المقال؟

وكم واحد من هؤلاء سيحدد ما ينبغى عليه أن يفعل بشكل واضح؟

وكم من هؤلاء الذين حددوا ما ينبغى عليهم فعله سيفعل ذلك بالفع؟

لا أدرى حقيقة وان كان هناك بعض الأمل

الثلاثاء، 20 مايو 2008


هادىء الطباع لا تدرى أهو هدوء الحزن أم هدوء الحكمة , فى بداية العقد الثالث من عمره , مؤهله متوسط من احدى المدارس الثانوية الزراعية .. يعانى من هبوط بالجفن العلوى لكلتا عينيه , وهو هبوط خلقى منذ الولادة .. وكذلك غياب لأصابع اليد اليسرى بأكملها مع وجود ستة أصابع بكلا القدمين.
ترى ما سر عزوفه ووحدته؟ أهو عزوف فلسفى أم نتاج لسلوك المجتمع تجاهه؟ ترى بماذا يحس أمام الاخرين؟ هل يخجل فعلا مما به من عيوب خلقية لا ذنب له فى حدوثها؟ أم أنه قد اعتادها ؟ واذا كان قد اعتادها فهل اعتياده لها اعتياد دائم أم انه اعتياد تتخلله لحظات مرارة وألم حين يناله شخص عديم الذوق والشعور بتعليق سخيف؟ أو حتى حين يرى نظرة دهشة فى عين شخص اخر ينظر اليه ولو عابرا؟
وهل اعتياده اعتياد من رأى وراء ذلك البلاء حكمة الهية قابلها بالرضى وبدأ ينقب فى نفسه عن مزاياه المخبوءة التى لم تحرم العناية الالهية أحد منها؟ أم أنه صبر وصمت اليائس المقهور الذى يعجز عن التصرف حيال ذلك لكن عجزه لا يرحمه؟
ترى بم تعتمل نفسه؟ اذا كانت قد امتلأت بالحكمة فأين اكتسب تلك الحكمة ؟ هل هى وليدة قراءة أو دراسة؟ وهل هناك فى مدارسنا ووسائل تعليمنا ما يبنى تلك الحكمة داخل النفوس ويكون على دراية بالتعامل مع تلك المشكلات الدقيقة كما فعل الغرب وبلغ فى ذلك مبلغا عظيما فصنع بثقافته المتميزة فى التعامل مع المرضى وعلى رأسهم مرضى العيوب الخلقية جوا مكنهم من المنافسة بقوة فى شتى مجالات العلم والفن والسياسة؟
واذا لم يكن لتلك الحكمة صدى فى نفسه فما سبب افتقاده لها ؟ وكيف نزرعها فيه وفى غيره ممن هو فى حاجة اليها؟ كيف نربى أنفسنا وغيرنا على اكتساب تلك الملكات؟
كيف نربى فينا جميعا ثقافة الرضى بماليس منه بد .. وثقافة احترام الاخر وتقديره بقدره ومد يد العون له, فلا نجفل منه لعاهة فيه ليست من صنع نفسه ولا حيلة له حيالها ولا تصريف؟
أسئلة هامة تركت اجابتها لنا جميعا.